رشاد أبوشاور
في اللحظات الحاسمة، والمفاصل التي تقتضي أخذ موقف حاسم، واضح، مبدأي، لا يكون مقبولاً، لا من الفرد، ولا من التنظيم، أو الحزب، اتخاذ موقف وسطي، لا يُزعل أحدا، ولا يرضي، في حقيقة الأمر، لا الضمير، ولا الشعب، أو بلغة ( اليسار) الفلسطيني المترهّل وفاقد الدور: الجماهير.
فلسطينيّا، ثمّة فصائل لها ( تاريخ)، ومحطات بارزة، ومنها: الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، التي غادرت _ ويا ليتها لم تفعل_ فكر وخطاب حركة القوميين العرب، و..ركضت وراء شعارات يسارية ثبت أنها مرتجلة، وبحسب مصطلحات الرفيق لينين: طفوليّة.
هواء طلق هل ستقوم القيامة قريبا؟!
رشاد أبوشاور
أتذكّر بإلحاح هذه الأيّام مشاهد من فيلم ( القيامة الآن)، المأخوذ عن رواية ( قلب الظلام) للروائي البولوني الأصل جوزيف كونراد، الإنكليزي الكتابة:، والتي نقلها إلى السينما( كوبولا)، وغيّر مكان الحدث، مع الحفاظ على جوهر الفكرة.
تلك الرواية ترجمها إلى العربيّة الصديق صلاح حزيّن، ونشرت قبل ثلاثين سنة في بيروت، وصدرت عن دار ابن رشد في طبعة متواضعة شعبيّة، وأعادت إصدارها دار( أزمنة) الأردنيّة، وبمقدمة قرأتها من جديد قبل أيّام استذكارا لصديقي صلاح حزين الذي رحل قبل عام وهو في أوج شبابه وعطائه، فهالني ما قرأت.
يُعبّر بطل رواية( نوسترومو) _ وهي مكان وهمي، ولكنه قريب الشبه ببلدان أمريكا اللاتينيّة_ وهو أمريكي، وتاجر، عن طموح أمريكا لدور تسعى إليه حثيثا للهيمنة على العالم: في وسعنا أن نجلس ونراقب، وذات يوم سوف نتدخل. طبعا لا مفر من ذلك. ولكن ليس ثمة ما يدعونا إلى العجلة. إن على الزمن ذاته أن يقف على خدمة أعظم بلد في كون الله الواسع. ستكون لنا الكلمة في كل شيء: في الصناعة والتجارة والقانون والصحافة والفنون والسياسة والدين. سوف يكون لدينا من الوقت ما يمكننا من الاستيلاء على الجزر والقارات القصيّة من الكرة الأرضيّة. سنقوم بإدارة أعمال العالم سواء راق ذلك للعالم أم لم يرق. ليس في وسع العالم أن يمنع ذلك.. وليس في وسعنا نحن أيضا.
هذه الفقرة التي كتبت في رواية صدرت قبل مائة عام، أي قبل أن تمتلك أمريكا تكنولوجيا الفضاء، والأسلحة المدمّرة، والأساطيل، و..التحكّم باقتصاد العالم، هي بمثابة ( رؤية) من كاتب عايش الحقبة الاستعمارية، أذهله مدى تدمير( الإمبرياليات) لحياة وثقافات شعوب لا تمتلك ما يمكنها من الذود عن بلدانها، فسقطت تحت أقدام الغزاة، وتشوهت حياتها.
أمريكا كانت تستعّد للهيمنة على العالم، بعد أن تكونت على حساب أهل البلاد الأصليين. أبادت الملايين بالكوليرا، والجدري، والرشاشات التي حصدتهم حصدا، وطاردتهم حتى الأقاصي التي لجأوا إليها، ومن بعد حشرت من تبقى في معازل، وهذا يتكرر حاليا في فلسطين، بأيدي من يشكلون امتدادا لأمريكا وثقافتها الاستعمارية، وانتحالها لحّق إلهي يبيح الإبادة، والتحكّم في مصائر البشر.
في الفيلم، كما في الرواية، وقبل أن يُقطع رأس كورتز الذي أغوى السكّان الأصليين بعبادته ..يردد : إنه الهول.. الهول!.
هو رأى الهول هناك في قلب أفريقيا، والمخرج كوبولا نقل رؤيته إلى فيتنام التي أبيد فيها البشر والشجر والحجر.
نشاهد في الفيلم الجنرال الأمريكي يفتح أبواب الهيلوكبتر، بينما وموسيقى فاغنر تدوي مع نيران الجحيم التي تطلقها الرشاشات في حفلة صيد على طريقة الكاو بويز. لا عجب، فعقلية الأبناء متوارثة عن عقلية الآباء المؤسسين لأمريكا!
قبل أيّام ظهر فيدل كاسترو، القائد الثوري الكبير، وخطب أمام البرلمان الكوبي لمدة 13 دقيقة فقط، هو الذي كان يطلب من الجماهير الكوبية، في زمن مضى، أن تحضر معها طعامها وماءها ليخطب لساعات، لأن خطاباته كانت ندوات تثقيفيّة، ومما قاله في خطابة القصير، وهو أوّل إطلالة جماهيرية له بعد سنوات عانى فيها من المرض، وأجريت له عملية جراحية في الأمعاء، وتخلّى عن السلطة ، ليتسلمها رفيقه وشقيقه _ ليس وارثة ، ولكن لأنه يستحق بجدارة، فهو قائد ثوري صلب ميداني_ راؤول كاسترو.
في خطابه المركّز ناشد كاسترو كل قادة العالم أن يضغطوا على الرئيس أوباما، كي لا يستخدم القنابل النووية ضد إيران!
العجيب أن مناشدة كاسترو مرّت دون صدى. لماذا ؟!
ببساطة لأن العالم الذي تتحكم فيه أمريكا وفقا لرؤية ذلك التاجر الأمريكي في رواية جوزيف كونراد بات بليدا جدّا، وجبانا وخانعا!
قبل أيّام مرّت الذكرى ال65 على حرق هوراشيما وناغازاكي اليابانيتان، بقنبلتين ذريتين أمريكيتين، ومع ذلك فأمريكا لم تعتذر حتى اليوم عن جريمتها، هي الدولة الوحيدة في التاريخ البشري المعاصر التي استخدمت القنابل الذريّة لحسم الحرب.
بمناسبة الذكرى ال65 شاركت أمريكا وللمرة الأولى بإرسال دبلوماسي غير مهم لحضور الاحتفال، ودون اعتذار عن الجريمة البشعة، والتي كتب عنها الجنرال إيزنهاور في مذكراته بأنها لم تكن ضروريّة، لأن الإمبراطورية اليابانية كانت على وشك الاستسلام!
في سهرة رمضانية ضمّت بعض الكتّاب والمثقفين الأصدقاء، تساءلنا عن سّر جبن العالم، وتقاعسه عن قول كلمة الحّق في وجه الجور الأمريكي. تهجينا الأجوبة. منّا من حيّرته مواقف الدول الأوربيّة القويّة اقتصاديا: ألمانيا تحديدا..والدول العريقة ديمقراطيّا: فرنسا..ومرّ بعضنا على عوامل الضعف التي تنهك أمريكا، لا سيّما الاقتصاد، فهي غارقة في الديون الداخلية، ولو اضطرت لتسديد ديونها لهوت إلى مرتبة الدول الأقل من نامية، يعني لتساوت مع بنغلادش!
وكان السؤال: ما سبب استخذاء وتبعية أوربة _ نستثني بريطانيا التابع دائما، والمحرضة على الحروب باستمرار_ الأعرق ثقافيا، وحضاريا، وغير المحتاجة للحماية عسكريا بعد انتهاء الحرب الباردة، والمستقلّة اقتصاديا، والقريبة من الأسواق المستهلكة عالميّا؟!
طبعا نحن نقفز عن تبعية دول العرب، وحكّامهم، فلا هم في العير ولا في النفير، بل هم في الجيبة الأمريكيّة، يؤمرون بشراء الطائرات الأمريكيّة ودفع ثمنها بالمليارات ..لتكون جاهزة، لا لتحرير فلسطين، ولكن لتدمير إيران، دون التفكير بأن النار ستلتهم ( الجيران)، وليس الولايات الأمريكيّة البعيدة، فالقواعد هنا، وفي مرمى ما تعده إيران من صواريخ، وطائرات بدون طيّار، وكل ما ستدافع إيران عن نفسها به!
يبدو أن ما جاء في خطاب القائد كاسترو غير بعيد عن تفكير قادة إيران، ولذا فهم يوجهون الرسائل لأمريكا وللكيان الصهيوني، بكل ما ينجزونه عسكريا، ويعلنون عنه حتى يحسب أعداء إيران حساباتهم جيدا!
أما ( العربان) فلا حسابات، فهم يسيرون نياما، أمرهم ليس في يدهم، فأيديهم تستمتع بما ملكت( أيمانهم)، ليس من قوّة ورباط خيل، ولكن بما لذّ وطاب، في المخادع، لا في المصانع!
نحن في الشرق الأوسط نجانا الله من السيول، والفيضانات الجارفة التي دمرّت حياة أخوتنا في باكستان، ومن الوحول الزاحفة في الصين، ومن الأمطار الغزيرة في جهات من العالم، تبدأ من بولونيا، وتمّر بواشنطن، و..ما زالت تهطل بغزارة جارفة الأرض الزراعيّة في السودان، وأمكنة لم نسمع بها من قبل..ولكن هل سننجو إن قامت القيامة ( الأمريكيّة)؟!
العالم على كف عفريت، والحياة مهددة. في العراق تتواصل التفجيرات والموت والدمار. وفي أفغانستان تحصد الطائرات بدون طيّار أرواح العشرات يوميّا. وكل هذا من نعم هيمنة أمريكا على العالم، وتدميرها للغابات، وإشعالها لحروب النهب، والهيمنة، والسيطرة على مصائر البشر، فقط لأنها قويّة، وقوتها قوّة الظالم الذي يغرق العالم بشرّه، وجشعه، وقسوته.
العالم يضيع في الفوضى، فوضى الطقس بعد تدمير الغابات، وإشعال الحروب التي استخدمت فيها أسلحة تدخل فيها الذرّة. انظروا إلى جريمة ولادة أطفال العراق بتشوهات مرعبة، ونهب الثروات بجشع لا يوقفه صراخ بشري واحد، بصوت البشر أجمعين: هذه الأرض لكل عباد الله، كفّي يا أمريكا عن تخريب العالم. لن نقبل بأن تستخدموا أسلحة الدمار من جديد. أنتم أفسدتم الحياة أيها اليانكيون.
آن للبشرية أن تحمي نفسها من أمريكا، حتى لا تقوم القيامة، وينتهي عالمنا الذي لم يعد جميلاً بسبب حروبها ونهبها!
* القدس العربي، الأربعاء 25 آب 2010
رشاد أبوشاور
هذا العنوان مهذّب، بل شديد التهذيب، والحّق أنه غير مناسب، ف( الجماعة) عندنا، ولا أقول( جماعتنا)، فهم ليسوا جماعتنا، ما عادوا يشعرون بالحرج مما يفعلون، وما هم عليهم من جديد يقدمون، فهم سادرون في ( خيارهم)، سيّارة بلا كوابح، ولا مقود، ولا وجهة، ولا قلق من سوء المآل الذي نحن فيه، والذي إليه ستنتهي قضيتنا ما دام هذا نهجهم.
رشاد أبوشاور
ما زلت أتذكّر الحملة التشويهيّة التي استهدفت الشيوعيين أخلاقيا، وليس فكريّا، فمن يروّجون الإشاعات لا يصمد منطقهم البائس أمام الأسئلة، والحوار الجدّي.
هذه ممارسات حماس، وهذا نهجها!
رشاد أبوشاور
عندما استحوذت حماس على السلطة في قطاع غزّة، لجأت لاستخدام العنف غير المسبوق بهذه الضراوة فلسطينيّا_ مع عدم تناسي بطش أجهزة أمن السلطة بأعضاء حماس، وغيرها من الفصائل، ولا سيّما الجهاد الإسلامي، والتي كان كثيرون في فتح يتنصلون منها، وكنّا في مقدمة من فضحوها، وأدانوها_ وبطشت بألوف المنتسبين لأجهزة السلطة، وكثير منهم تربّوا في جيش التحرير الفلسطيني، وقاتل بعضهم ببطولة في معركة بيروت 82 قبل أن تظهر حماس على الساحة بأعوام طويلة!
عندما رأيت أحد الشباب على فضائية فلسطين، وهو يعرض ساقيه المبتورتين برصاص أعضاء ( كتائب القسّام)، لم اصدّق ما أرى، رغم دقّة رواية الشاب، ولكن الرواية تكررت بألسنة كثيرين من ضحايا حماس (المجاهدة) ، وبروايات شهود عيان صادقين، وهو ما لم تستطع أن تنكره قيادة حماس، وتهربت من تحمّل وزره بردّه إلى أخطاء فرديّة في ( الميدان) ..ميدان الحرب على السلطة!
لقد راجت ( طرفة) سوداء حقيقيّة عن حوار مع الدكتور محمود الزهّار، فقد سأله أحدهم مستنكرا: كيف تطلقون الرصاص على أرجل شباب تختلفون معهم يا دكتور؟ فكان أن أجاب ببراءة : وأين تقتقرحون أن نطلق عليهم الرصاص؟!
ذكرتني هذه الطرفة بجواب رئيس المحكمة الثورية التي تشكلت بعد انتصار آية الله الخميني، والذي أصدر 600 حكم إعدام، فضجت الناس من عسفه، وسرعة إصداره الأحكام بالإعدام، فأقيل من منصبه، وذات يوم توجه إليه صحفي بالسؤال: يا مولانا ألست نادما على إصدارك 600 حكم إعدام في غضون أيّام؟ بكى آية الله حتى اخضلت لحيته، وأجاب: بل أنا نادم لأنني لم أعدم 600 آخرين كنت في سبيلي لحكمهم..يا بني!
حماس لن تندم، لماذا ؟ لأنها فازت بالاستئثار والإنفراد ( بحكم) غزّة، وهي ماضية في بسط هيمنتها على مليون ونصف مليون لا تستشيرهم في حكمها، فلا انتخابات، ولا رأي لأحد، ولا مشورة، فالجميع علمانيون كفرة..وهذا هو الحكم على كل من يخالفها الرأي، حتى لو كان يخالفها من موقع إسلامي كالجهاد، وحزب التحرير، وأي مسلم مستقل الرأي والاجتهاد!
في صبيحة الجمعة 6 آب الجاري، أُتحفنا بخبر من غزّة عن الصحفي أحمد فيّاض الذي صادرت حماس كاميرته، وتناوب المجاهدون _ كما روى بنفسه _ على ضربه وبهدلته والتنكيل به، لأنه كان ينقل وقائع ما جرى من فوضى في حفل( فرقة طيور الجنّة الإنشاديّة) في المدينة الرياضيّة بخان يونس، حيث تتسع لثلاثة آلاف، بينما المشرفون يحاولون حشر 10 آلاف في مكان ضاق بهم، وحرم كثيرين من الدخول، رغم أن ثمن البطاقة 10 شيكل..فكم ستدفع أسرة لديها 5 أطفال، خاصة والناس هناك يشكون الفاقة، رغم وجود الأنفاق التي تدر على حكومة حماس ما تدر من ملايين الشواكل، والتي تُزلق عبرها الثلاجات، والسيارات، وكل ما لذ وطاب لمن يملكون، و( للمؤمنين) الحلويين، ولكن ليس لأبناء السبيل الصامدين الصابرين من الفلسطينيين!
كعادتي صبيحة كل يوم، دخلت إلى موقع القدس العربي على الإنترنت لأتصفحها، فقرأت خبر عجيب عن ( مجاهد) من سرايا القدس( الجهاد الإسلامي)، بعد مشاجرة سويّت بتسليم الجهادي لأجهزة حماس الأمنيّة، و..لتفاجأ الجهاد صبيحة اليوم التالي بوجوده في المستشفى، وقد أطلقت النار على قدميه!..طبعا كان هذا عقابا حمساويا له، رغم أنه يخرجه من ( المعركة) مع العدو الصهيوني..ولكن يبدو أن قيادات حماس وبعد أن استقّر لها التحكّم في قطاع غزّة ما عادت تفكّر في المعركة مع العدو، رغم تصريحات قادتها عن متابعة المقاومة!
هناك احتقان دائم وقديم بين الجهاد _ التي بدأت جهادها قبل ظهور حماس بسنوات، بقيادة الدكتور المؤسس فتحي الشقاقي _ وحماس، فالحركتان إسلاميتان، وهما من أصول إخوانية، وإن كانت الجهاد قد ابتعدت عن تلك الجذور، واختارت خطابا منفتحا متسامحا، وإن بقيت إسلامية، وحافظت على خطها المقاوم، ورفضت كل أشكال ومبررات الاقتتال الداخلي، والانشغال بالصراع على السلطة، لا بانتخابات، ولا بغيرها.
ذات يوم سمعت أحد ابرز قادة الجهاد يقول: نحن وحماس ننتمي لإيديولوجيا واحدة، مع الاختلاف في التفسير، والاجتهاد، والرؤية..ونحن لسنا السلطة لنسمح لحماس ومقاتليها أن يكتسحوا مواقعنا ببساطة وسهولة، فنحن وإيّاهم سنقتتل بضراوة حتى ينهي طرف منّا الآخر، وهذا ما لانريده، ونتجنبه، ونقدم التنازلات لدحره بعيدا، حفاظا على قضيتنا، وعلى وحدة شعبنا.
سمعت كثيرا عن تجاوزات حماس على الجهاد،ويشهد الله أنها مروّعة، وبخاصة مع من يتوجهون للاشتباك مع دوريات العدو التي تنشط حول القطاع، ناهيك عن الاحتكاكات مع ناشطي الجهاد في مدن، وبلدات، ومخيمات القطاع، وتابعت الدور الذي تلعبه قيادة الجهاد داخل القطاع، وفي الخارج لتخفيف التوترات بين حماس وبقيّة الفصائل، ومع ذلك فحماس لا ( تبلع) وجود وانتشار الجهاد وترتاح لما تتمتع به من احترام كونها نأت بنفسها عن الصراعات، وواصلت خيارها المقاوم.
عندما تقترف حماس هكذا أخطاء، فهي خطايا، وليس مجرّد غلطات صغيرة لأشخاص تنفيذيين.
مجاهد يتسلمونه، ويؤتمنون عليه، ف..يطلقون الرصاص على ساقيه، ثمّ ينقلونه إلى المستشفى..أي بشر هؤلاء، وأي ثقافة هذه، وأية أخلاق؟!
نحن مع فك الحصار عن القطاع، لأننا مع أهلنا هناك، ومرارا دعونا حماس للتخلّي عن السلطة، والعودة للمقاومة، ولكن قادتها يصرحون بين يوم وآخر أنهم مع ( دولة) في حدود ال67 ..وهنا المشكلة الحمساوية، فهي تهدّيء ( الأجواء) حول القطاع، وهي تطارد بخاصة عناصر الجهاد لأنه ترفض( توريطها) في معركة غير مناسبة راهنا!
بماذا يختلف خطاب حماس عن خطاب السلطة؟! بادعاء المقاومة! وبماذا تختلف ممارساتها؟! بأن أجهزة السلطة في الضفة بناها ويأمرها دايتون، وبأن أجهزة حماس بنتها حماس..و..الممارسات واحدة: سلطوية، قمعية، قهرية، استبدادية، متطاولة على الشعب الفلسطيني، ولا قانون يسندها، ويشكّل مرجعية لها، سوى قانون القوّة الآثمة المارقة!
حادثتان داميتان تفصل بينهما ساعات، إهانة صحفي، ومصادرة كاميرته، والتناوب على ضربه، و.. إطلاق الرصاص على قدمي شاب فلسطيني، قدميه اللتين بهما يمشي إلى فلسطين، وعليهما يسير إلى ميدان المعركة..حدث هذا من قبل، ويحدث اليوم، وسيحدث غدا، ما دام ثمّة جهلة يصرخون: دعني أدخل به الجنّة!
أي جنّة وأنتم والسلطة قد أدخلتم قضيتنا وشعبنا في الجحيم؟!
* 7 آب 2010
رشاد أبوشاور
ليس ضروريّا أن تكون مع طالبان حتى تفرح بانتصار أفغانستان على الاحتلال الأمريكي الأوربي.
كنّا مع فيتنام حتى النصر..وانتصرت فيتنام، وآه كم فرحنا وشمتنا بالسفير الأمريكي الهارب من سايغون، والراكض كي يلحق بطائرة الهيلوكبتر التي أوشكت أن تقلع من فوق سطح السفارة، واضطر لفرط هلعه أن يترك حذاءه _ فحياته رغم كل شيء أغلى من الحذاء، رغم انه حذاء فاخر، ونفيس!_ فالتقطت الكاميرات صورة الحذاء وبثّتها للعالم، فكانت مشهد النهاية لغطرسة القوّة الأمريكيّة التي أحرقت الغابات، وقلوب الأمهات، وذبحت وحرقت أهالي قرية( ماي لاي) فضيحة الديمقراطيّة الأمريكيّة، تلك التي أعادت الكرّة
رشاد أبوشاور
اجتماعات متلاحقة، للجنة المركزيّة لفتح، ومجلسها الثوري، وآخرها اجتماع اللجنة التنفيذية، ثمّ ماذا؟!
بعض التعبيرات لا تعجبني، مثل: رشح عن الاجتماع، أو اللقاء، أودورة ال...
رشاد أبوشاور
لا أكتب عن إفلاس بنوك، أو شركات، أو مؤسسات ماليّة، لا، فالإفلاس الذي أعنيه، هو إفلاس الفصائل الفلسطينيّة ماليّا، تتقدمها الحركة( الأم) فتح، وتتبعها بقيّة الفصائل بكّل تصنيفاتها، حجما، وأيديولوجيا!
عندما كنا في تونس، تحديدا في آخر شهور إقامتنا، فوجئنا بكشف السر عن مفاوضات أوسلو، وبالترافق مع (بشائر) السلام، اتخذت قرارات( ثورية) بإيقاف رواتب العاملين في دوائر المنظمة، بحجّة إفلاس صندوقها.
ولأن من أوقفت رواتبهم يحتاجون لدفع أجور بيوتهم، وإطعام أسرهم، فقد وقع كثيرون في ورطات، ومآزق، وعانوا من مهانات.
باع كثيرون الأثاث، وناموا على الأرض، ليسددوا أجور البيوت، وليؤمنوا الطعام لأسرهم، وقد اضطرت بعض الفلسطينيّات للتسوّل، والوقوف أمام المساجد!
لم تكن المنظمة مفلسة، ولا فتح مفلسة، و..لكن الأموال حوّلت إلى بنوك ( تل أبيب) لبناء جسور الثقة مع شريك السلام!
كتبت يومها رأيي بصراحة، متسائلاً عن سّر الترويج لإفلاس المنظمة، وادعاء أن( فتح) هي التي تنفق على كادر المنظمة، ومنذ سنوات!
أمّا كادر المنظمة _ كتبت هذا وأعيده للتذكير _ فكان يتكوّن، وما يزال، من: دوائر المنظمة، وهؤلاء بنسبة 90 % ينتمون لحركة فتح، فالسفارات، وكادرها من السفير حتى عامل جهاز اللاسلكي ينتمون للحركة. قادة أجهزة الأمن و( عناصرها) ينتمون للحركة. المنظمات الشعبية ينتمي أغلب القائمين عليها للحركة.
هذا يعني ما يلي: أن الحركة كانت توظّف كل كوادرها على حساب المنظمة، وتدّخر أموالها، فإذا كان صندوق المنظمة مفلسا فهذا لأن المنظمة حوّلت إلى جهاز تابع للحركة!
هذه الأيّام قرأنا، وسمعنا، عن إفلاس حركة فتح نفسها، وليس ( اليتيمة) المستباحة م.ت.ف، وأن المجلس الثوري سيناقش الموضوع في اجتماعه القريب، وربما يشكّل لجنة للتفتيش والتنقيب عن ممتلكات وأموال الحركة.. التي اختفت!
قبل سنتين تناهى إلينا أن لجانا تتسابق على وضع اليّد على ممتلكات الحركة في لبنان، وسورية، والأردن، وفي بلاد بعيدة أوربيّة، وأفريقيّة، وان هناك صفقات تعقد، وأسماء سجلت باسمها بعض الممتلكات، ما كانت تخطر على البال، منها شخصيات عامة لبنانية، تجري معها مساومات!
تناهب المتسابقون الممتلكات، وأبرموا الصفقات، و..بقيت ممتلكات كثيرة لم يتّم اكتشافها حتى اللحظة، لعدم توفّر وثائق، بين أيدي المطالبين، أو لأن القائمين على مالية الحركة اختفى بعضهم، ومات بعضهم ليرثهم الأبناء، و..دفن السّر بعض الأحياء منهم، والسّر كنز غير مرصود، لأنه خّاص جدا!.
تحوم الشكوك التي غالبا لا تحتاج للبراهين عليها، حول أشخاص ظهرت عليهم دلائل الثراء الفاحش، جاءوا للحركة من بيئات فقيرة، ولم يعملوا خارج ( الثورة)، والسؤال الذي لا جواب عليه: كيف ومن أين جنوا كل هذه الثروة؟!
سيضيف بعض القرّاء: اغتنى من اغتنى، وواصلت أسر شهداء أبطال التسوّل، والعيش بمهانة، وتحت خّط الفقر، و..تدفقت الملايين إلى حسابات اللصوص الأوغاد، بغزارة دموع زوجات فقدن الزوج الحبيب في ريعان الشباب، وأبناء وبنات راح معيلهم على طريق فلسطين، و..توشك القضيّة التي من أجلها استشهد البطل قبل أن يتمتع بالشباب، أن... تُصفّى بفضل من أفلسوا المنظمة وفتح، ومن أفلست فصائلهم( اليساريّة) أيضا!
الإفلاس عنوانه مالي، وجوهره سياسي، وأخلاقي، وتنظيمي، وهو يبدأ من ( الكبير) وينزل إلى( الصغير)، فالمرض انتشر في الجسد الذي حُطم ( جهاز) مناعته الأخلاقي،والتنظيمي، وبسبب التسيّب، وعدم وجود جهاز رقابة مركزي يتابع، ويدقق، ويسأل، ويملك سلطة الملاحقة، والمقاضاة، وفضح اللص أيّا كان.
الفلسطينيون ليسوا غافلين عمّن ( أفلسوا) المنظمة، وفتح، وغيرهما، فهم يرون كيف، بين عشيّة وضحاها، ظهرت آيات النعمة( الشيطانية) على ابن المخيّم..فإذا به شريك في ( مستشفى)، وفي شركة نقل بحريّة عملاقة، و..ممتلكات في دبي، وشركات في النمسا، ومحلاّت مجوهرات في باريس، وفنادق في عواصم عربيّة، ناهيك عن تجارة الحجارة الكريمة، وهذه تختلف عن حجارة الانتفاضة!.
من جاعوا وأسرهم في ( تونس) بتوجيهات من قيادتهم، يروعهم أن شخصا وفد إلى بيروت شبه حاف، يمتلك اليوم مئات الملايين، وتنشط ( شركاته) في كردستان، ومصر، ودبي، وبعض الدول الأوربيّة، وبمشاركة رجال( أمن) وفّروا له الحماية، وضمنوا له السلامة، وعدم الملاحقة، مقابل الشراكة في نهب مال شعب فلسطين، وخبز أبناء الشهداء، ودفاترهم وأقلامهم، وحبّة الدواء لأمهم التي انكسر قلبها بعد فقدان رفيق العمر، مّما عانته فيما بعد مّمن أمنهم البطل على أسرته، وقضيته، وسلاحه، وشرفه، وكرامة أسرته!
سأحكي لكم مختصر سيرة حياة أحد كبار اللصوص، وكيف امتلك هذا الشاطر عشرات الملايين من الدولارات، واسمحوا لي أن لا أذكر الاسم، فتكفيكم الحكاية، ومنها ستستنتجون الكثير.
من عاش في الشام، أو تردد عليها، لا بدّ أنه يعرف طلعة ( جوزة الحدبا)، وهي منطقة يعبرها شارع قصير، يصل بين ( البحصة) الملاصقة للمرجة، وسوقساروجة.
ذلك الشارع اشتهر بأنه موئل لورشات صغيرة لصناعة الأحذية، تضم عددا محدودا من ( الصنايعيّة)، يباع ما يُعّد فيها للتجّار الكبار الذين يوزعون البضاعة على المحّال في دمشق، وغيرها من المدن السوريّة.
صديقنا_ أنا وكثيرين _ ( أبوريّا) كان يذكرني دائما بأبطال قصص وروايات مكسيم جوركي. إنه مكافح صلب، شريف، معطاء، يقتسم لقمته المغمسة بالعرق مع كل محتاج. تعرفت ب( ذلك) الشخص عنده، وكان فتى غرّا، يحدب عليه أبوريّا، ويوجهه إلى النضال، وحب الشعب، وفلسطين.
أبور يّا كان شيوعيا، ولفرط صلابته، ومبدأ يته، وكان نزيل سجن ( نابلس)، ردّ على والده الذي زاره طالبا منه أن يستنكر الحزب الشيوعي ليفرج عنه، و..محاولاً التأثير عليه: يا ولدي.. أنا أتسوّل لأطعم أمّك وأخواتك. فيرّد أبو ريّا: يا والدي كل شعبنا فقير ويتسوّل من وكالة الغوث..إن كنت تخجل فتسوّل في قرى لا يعرفك أهلها!
أبو ريّا وعدد من كوادر الحزب الشيوعي الأردني شكّلوا الحزب الشيوعي الفلسطيني، ونادوا بالكفاح المسلح، ولكنهم لأسباب كثيرة لم يستمروا، فانضم بعضهم لفصائل يسارية وبعضهم لحركة فتح، مع من كانوا يوصفون باليساريينّ!
الفتى التحق بفتح و..أرسل إلى ( عين ترما) في الغوطة الشرقية، ومن هناك، من مالية فتح، وكمحاسب بسيط بدأت رحلته إلى الملايين!
عرف الفتى أن أفكار ( أبو ريّا) لا تطعم خبزا، فأتقن التزلّف، و..أخذ في الصعود من محاسب، ومدقق..إلى..وفي تونس صار ركنا في ( الماليّة)!
بعد ( العودة) إلى غزّة أريحا، تسلّم مؤسسة ( وطنيّة) حسّاسة..فاحتكر، وتلاعب..وبشطارة لّص هجّر أسرته إلى كندا، وهناك اكتنز ملايينه التي تراكمت كتدفق بئر نفطيّة، وعندما عرض عليه بعض النافذين مشاركته أبى، فقبض عليه، ووجهت له التهمة بنهب أزيد من مائة مليون..فقط!
وماذا جرى؟ حكم عليه بعامين، و.إعادة مليوني دولار!.
قضّى بعض الحكم مستمتعا بشتاء( أريحا) أولا..وربيع رام الله ثانيا !
هذا واحد ( منهم) ..وهم كثر، ومعروفون، ولن يُحاسبوا فالحراميّة لا يقسون على بعضهم!
هذا واحد من الشطّار، الذين نهبوا المنظمة وفتح، و( حُماتهم) يبررون لهم: الذي شبع أحسن من الفجعان الذي سيأتي بعده. هذا القول لقائد تاريخي كبير!
أترون كيف ترعرع اللصوص، وضاع المال، ودخلنا حقبة الإفلاس السياسي والمالي والأخلاقي ؟!
المجلس الثوري، والمجلس الوطني، ومجلس السوفييت الأعلى لو بُعث حيّا، لن يُصلح الحال، فالمطلوب علاج جذري شامل، وليس طبطبة وتدليسا...
رشاد أبوشاور
مرثية الرجل الطويل
الصديق العتيق بن بلاّ،وهذا اسمه الحركي، أحمد عبد الكريم الحيح، أنشط كتّاب التعليقات في القدس العربي، الإعلامي والدبلوماسي، رفيق معركة بيروت، عاتبني الأسبوع الماضي في تعليقه على مقالتي عن الفساد، لأنني لم أكتب مباشرة عن رحيل صديقنا المشترك ( أبوداود).
رشاد أبوشاور
الحضور الكرام:
اسمحوا لي أن أتقدّم بالشكر لرابطة الكتّاب الأردنيين على دعوتي للمشاركة في ملتقى السرد الثاني، دورة مؤنس الرزاز، الذي أحيي ذكراه، صديقا ومبدعا كبيرا.
واسمحوا لي أن أحيي الروائي العربي الكبير الأستاذ حنا مينة، الذي أسهم إسهاما كبيرا في إعلاء مداميك الرواية العربيّة، وألهم وعلّم الكثيرين، والذي هو موضع تكريم الرابطة في هذا الملتقى.
الحضور الكرام: تأملت كلمتي العنوان لهذه الجلسة: السرد والمقاومة، فأصبت بالحيرة، وعجزت عن تحديد المقصود من هذا العنوان، رغم أن بعض الأصدقاء رأوا أن الكلام فيه ميسور وسهل خاصة لمن عاش حياته مقاوما، وتنقّل من بلد إلى بلد، وشارك في معارك رهيبة.